أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
77
العقد الفريد
هاشمي وقينتان ومضحك : حدث أبو عبد اللّه بن عبد البر بمصر قال : حدثني إسحاق بن إبراهيم عن الهيثم بن عدي قال : كان بالمدينة رجل من بني هاشم ، وكان له قينتان ، يقال لإحداهما رشا ، وللأخرى جؤذر ؛ وكان يحب الغناء ، وكان بالمدينة مضحك لا يكاد يغيب عن مجلس أحد ؛ فأرسل الهاشمي إليه ذات يوم ليضحك به ، فلما أتاه قال : ما الفائدة فيك وفي لذتك ولا لذة لي ؟ قال له : وما لذتك ؟ قال : تحضر لي نبيذا ، فإنه لا يطيب لي عيش إلا به . فأمر الهاشمي بإحضار نبيذ ، وأمر أن يطرح فيه سكّر العشر ، فلما شربه المضحك تحرك عليه بطنه ؛ وتناوم الهاشمي وغمز جواريه عليه ، فلما ضاق عليه الأمر واضطر إلى التبرّز قال في نفسه : ما أظن هاتين المغنيتين إلا يمانيتين . وأهل اليمن يسمون الكنف المراحيض فقال لهما : يا حبيبتي ، أين المرحاض ؟ قالت : إحداهما لصاحبتها : ما يقول : قالت يقول : غنياني : رحضت فؤادي فخلّيتني * أهيم من الحبّ في كلّ واد « 1 » فاندفعتا تغنيانه ؛ فقال في نفسه : ما أراهما فهمتا عني ، أظنهما مكيّتين وأهل مكة يسمونها المخارج . قال : يا حبيبتي ، أين المخرج ؟ قالت إحداهما للأخرى : ما يقول ؟ قالت : يقول غنياني : خرجت بها من بطن مكّة بعد ما * أصات المنادي للصلاة فأعلما « 2 » فاندفعتا تغنيانه ؛ فقال في نفسه : لم يفهما واللّه عني ، أظنهما شاميتين ، وأهل الشام يسمونها المذاهب ؛ فقال لهما : يا حبيبتي ، أين المذهب ؟ قالت إحداهما لصاحبتها : ما يقول ؟ قالت : يقول : غنياني : ذهبت من الهجران في غير مذهب * ولم يك حقا كلّ هذا التّجنّب فغنتاه الصوت ؛ فقال في نفسه : لم يفهما عني ، وما أظنهما إلا مدنيتين وأهل المدينة
--> ( 1 ) رحض : أصابته الرحضاء ، والرحضاء العرق الكثير يغسل الجسد . ( 2 ) أصات : صاح .